التواصل الفعال مع الأطفال عبر القصة


بقلم الدكتورة آسيا الجري الاستشاري النفسي والتربوي

اطفالنا هدايا من الله جميلة رزقنا الله اياهم لنسعد بهم لا أن نشقي معهم ، وهذه السعادة تقترن باحتوائهم وفهمهم وإرشادهم ، وفي هذا المقال أود أن أعرض إحدى الطرق السهلة والبسيطة في كيفية التعامل مع الطفل و كيف يمكن للأمهات والاباء الجدد استخدامها لمساعدتهم علي توجيه طفلهم وهي استخدام طريقة القصة الموجهة ذات الهدف، والحوار القصصي اليومي الموجه والذي يعتبر أمر بالغ الأهمية في التأثير علي الطفل من خلال نوع الرسالة المراد توصيلها علي مستوي الشعور (الوعي الآني أو اللحظي )current level of consciousness واللاشعور في (البناء النفسي العميق) والتي تعتبر من أهم تقنيات العلاج والتوجيه الغير مباشر للطفل .

ويعد استخدام القصة مدخل متعدد الابعاد يمكن ان يفيد في العلاج المعرفي السلوكي للطفل او العلاج الدينامي psychoanalytic dynamics أو العلاج في السيكو دراما Psychodramaاو العلاج بالقدوة Modeling أو النموذج باعتبارها الاسلوب الامثل في التواصل الانفعالي والمعرفي للطفل في ضوء مستوي النمو والنضج العقلي له .

وفي ضوء المنهج التحليلي Analytical Methods في علم النفس فإن القصة تفيد في

طريقة تفاعله مع المواقف المتنوعة نظرا لأن العقل الباطن The subconscious mind هو المكان الذي تحفظ فيه الأفكار والخبرات والتي يكون السلوك ناتجا لها ولأنه ينشط أثناء النوم وهو المسئول عن عمليات الجسم (كالتنفس وتنظيم ضربات القلب ..) وتناسق الجسم وهذه العمليات تتم في اليقظة والنوم وبما أن العقل الباطنThe subconscious mind لا يفكر بشكل مستقل اذا فإن مدخله يكون العقل الواعي المدرك The conscious mind حيث يتلقى منه الأوامر والرسائل ويعمل علي تنسيقها ليكوّن سلوك ملائم ومتوافق مع تلك الأفكار والمعلومات التي ترد إليه من محيطه بشكل عام وأيضا من خلال القصة ،لذلك يعتبر وقت قبل النوم من افضل أوقات سرد الحكاية والحوار القصصي مع الأخذ بالاعتبار أن يكون لكل قصة هدف محدد وواضح حتي ينجح تأثيرها و من الهام أيضا الوعي بأثر تلك الرسائل علي الطفل لأنه يعيشها بمشاعره التي تؤثر علي سلوكه .

إن شعور الطفل بالمساندة والدعم العاطفي له في كل حالاته والأمان النفسي في ظل والديه أو مربيه من اهم ركائز نجاح التواصل من خلال القصة لأنه كفيل بأن يجعل الطفل ككتاب مفتوح مع والديه أو مربيه) والعكس صحيح.

فوائد القصة الموجهة:

1. تشبع خيال الطفل خصوصاُ إذا تم سردها بأسلوب مشوق يعيشها الطفل في مشاعره.

2. تفيد مع الأطفال بشكل عام والطفل الكتوم بشكل خاص.

3. معرفة تفاصيل ما مر به الطفل أثناء انشغال والديه وتركه في المنزل مع المربية أو غيرها .. ويكون ذلك من خلال رموز القصة مثل (الأرنب – القط – الكنغر- الدب – الوزٌة – العصفورة ...)

مثال: الأرنوبة الأم ذهبت للعمل وتركت ابنها الأرنوب الصغير مع القطة التي كانت ترتب المنزل والقطة أو (القطوة) كانت تحب الأرنوب الصغير كثيرًا فهي تلعب معه ولا تضربه .. هنا يفهم الطفل أن الأرنوبة الكبيرة هي أمه وهو الأرنوب الصغير والقطة هي العاملة أو المربية فيبدأ يشارك في القصة وشيئًا فشيئًا تستطيع الأم أن تعرف كيف يعامل طفلها أثناء غيابها.

كما أن هناك من الآباء والأمهات من يوصل طفله إلى (المدرسة أو النادي أو ..إلخ )وهناك من يجعل هذه مهمة السائق والعاملة فتقول له الأم هنا ، أن الأرنوب الصغير ذهب مع القطة للمدرسة أو النادي وكان الكنغر هو الذي يسوق السيارة فيفهم الطفل أن المقصود الكنغر السائق وهنا يبدأ بالمشاركة ويقول إذا كان الكنغر طيبًا في تعامله معه أو لا.

4. تمكن القصة من معرفة تفاصيل يومه وكيف أمضاه منذ بدايته في المدرسة أو النادي .. ومعرفة الحالة المزاجية التي كان عليها ، فعلى سبيل المثال: دخل الأرنوب الصغير إلى الفصل وسلم على أصحابه وكان يجلس بجواره صديقه السنجاب وهو يحب أيضًا أصدقائه الأرانب الأخرى لكن الثعلب الصغير كان يضايقه قليلاً وهنا تسأل الأم أو المربي هل تضايق فعلاً الأرنوب الصغير في الفصل .. ليبدأ مشاركتها .. وتسترسل الأم فتقول كانت الوزة تشرح الدرس وتسأل الأم هل هي طيبة وهل يفهم عليها وهكذا يتم الاسترسال مع الطفل حتى يفصح عن مشاعره وما يجول في خاطره ويدرك أن الوزة التي تشرح الدرس هي المعلمة ليبدأ المشاركة وهكذا..

5. تفيد القصة في توصيل معلومة ما أو كيفية التصرف في المواقف.

6. التغلب على مشكلات الطفل كالخوف فعلى سبيل المثال الخوف من الحشرات فتخصص الأم كل يوم الحديث عن حشرة معينة فمثلا تقوم الأم بسرد قصة عن النحلة وفوائدها وأنها تقوم كل صباح مبكرة لتعمل وتتعب كثيراً لتصنع لنا العسل اللذيذ والذي فيه شفاء لكثير من الأمراض والذي نضعه على طاولة طعامنا وتؤكد له أننا يجب أن لا نمسك النحل بأيدينا مباشرة لأن هناك لباس خاص لذلك ، يلبسه شخص نسميه النحال والذي يقوم بجني العسل .. ونوضح أن النحلة تدافع عن الخلية الذي هو بيتها حفاظًا على تعبها في ما صنعت من العسل ومن الهام جدًا أن تقرأ الأم أو المربي عن موضوع القصة (النحلة) قبل حكايتها وأن تدعم القصة بصور جميلة ومشوقة وليس العكس.

كذلك الأطفال الذين يخافون من (البعوضه أو النامسه) تحكي لهم الأم أو المربي بأنه ليس هناك داع لأن نخاف منها فهي ذات حجم صغير بالنسبة لحجمنا وأنها تموت بضربة واحدة وإنا بإمكاننا تجنبها في رش أنواع معينة من الروائح أو الأدوية نحضرها من الصيدلية مخصصة لذلك سواء على الجلد أو في المكان نفسه، وتبسط الأمور لهم من خلال التركيز على أسلوب التشويق.

7. تفيد القصة في زرع القيم والعادات الأصيلة ، مثل مساعدة الوالدين وبرهما ، الإحسان للفقير والرحمة بالضعيف والحيوان .. إلخ

8. يتعلم الطفل من خلال القصة التعاون ، وكيفية الاستفادة من وقته والاحترام وتقدير قيمة النعم وغيرها من العادات الجميلة.

9. تساهم في التفريغ الانفعالي و معرفة الصراعات الداخلية التي يمكن استكشافها من خلال الحوار القصصي مثل شخصيات (الدب الطيب - الدب الشرير) والذي يسقط عليهم الطفل مشاعره وصراعاته ويعبر عنها بطريقة غير مباشره وهكذا..

ولننتبه إن أسس شخصية الطفل تتشكل في سنواته الأولى فهو يأخذ من أفكارنا ومعتقداتنا وعاداتنا وسلوكياتنا الشيء الكثير، وإن الطفل مرآة عاكسة للبيت الذي تربى فيه والنشأة التي مر بها وهو نموذج مُصَغَّر وواضح عن أسرته فالأسرة كالزارع الذي يحصد ما يزرعه فإن زرعت في طفلها الخصال الجيدة والخير فإنه يكون كذلك حتى وإن مال في حياته مستقبلاً سيرجع حتمًا إلى أساسه السليم.

ولتحرص الأم أو المربي على الابتعاد عن النقد واللوم والإجبار والقسوة لأن ذلك يعود سلبًا على ذات الطفل ولتعي إن الكلمة الطيبة والحوار البناء والتوجيه والاحتضان والاحتواء والغفران هي أفضل مفاتيح النجاح لبناء طفل سوي وسعيد.

Featured Posts