عهد جديد من الحرية والاستقلال الاقتصادي لدولة الكويت


الحاجة إلى مصرف وطني

في عام 1952 ظهرت إلى الوجود شركة مساهمة صغيرة لم يتجاوز رأس مالها مليون دينار فقط وحملت اسم بنك الكويت الوطني المحدود، لتعلن عن بدء عهد جديد من الحرية والاستقلال الاقتصادي للكويت التي عاشت سنوات طويلة تحت الانتداب البريطاني.

ولتعلن استقلال المنطقة ككل والتي لم تكن تضم مؤسسة مالية وطنية واحدة في ذلك الوقت العصيب من تاريخها. فقبل عام 1952، لم يكن في الكويت سوى بنك أجنبي واحد هو البنك البريطاني للشرق الأوسط في الكويت، الذي تم افتتاحه رسميا في فبراير 1942 أثناء الحرب العالمية الثانية.

ومنذ عام 1949، شعر القائمون على البنك البريطاني في الكويت بعدم رضاء المواطنين الكويتيين عن نشاطاته وخدماته، كما علموا بأن هناك تفكيرا لدى بعض التجار الكويتيين وميلا لتأسيس بنك خاص بهم.

وتم الكشف مؤخرا عن عدد من الرسائل السرية كان قد كتبها المعتمد البريطاني في الكويت إلى وزارة الخارجية البريطانية، يعبر فيها عن قلقه وتخوفه من تأسيس البنك الوطني وكيفية القيام بمحاولات لعرقلة تأسيسه واستمراره.

تأسيس البنك الوطني

ظهرت لأول مرة فكرة تأسيس بنك كويتي وطني يخدم المصالح الوطنية بالدرجة الأولى، ويأخذ على عاتقه تطوير وتنمية الاقتصاد الكويتي وإنعاش السوق التجاري وتنمية مدخرات المودعين وحفظها في 1952.

وبالفعل عقد كل من: أحمد سعود الخالد، وخالد زيد الخالد، وخالد عبداللطيف الحمد، وخليفة خالد الغنيم، وسيد على سيد سليمان، وعبدالعزيز حمد الصقر، ومحمد عبدالمحسن الخرافي، ويوسف أحمد الغانم، ويوسف عبدالعزيز الفليج، اجتماعا مع المغفور له الشيخ عبدالله السالم الصباح الذي بارك لهم الفكرة ووعدهم بالدعم والتأييد.

وكان عقد تأسيس فرع البنك البريطاني في الكويت مع حكومة الكويت ينص على عدم السماح بإنشاء بنوك أخرى في الكويت، وكان رأي أمير الكويت الشيخ عبدالله السالم في حينها أن ذلك لا ينطبق على إنشاء بنوك كويتية داخل البلاد.


المرسوم الأميري

هكذا سمح بإنشاء بنك الكويت الوطني في 19 مايو 1952، حيث صدر المرسوم الأميري الخاص بإنشاء البنك.

وفي 15 نوفمبر 1952، افتتح بنك الكويت الوطني للعمل رسميا باعتباره شركة مساهمة كويتية للقيام بالأعمال المصرفية.

ويعد البنك الوطني أول مصرف وطني في الكويت والخليج على الإطلاق.وتكون مجلس إدارة البنك الوطني وجميع المؤسسين من الكويتيين الذين لهم نشاط تجاري عريق داخل الكويت وخارجها.

وتأسس البنك برأسمال قدره 13.1 مليون روبية، أي ما يعادل مليون دينار كويتي فقط، موزعة على 13.1 ألف سهم بقيمة ألف روبية للسهم الواحد.

وفي مبنى صغير يقع في الشارع الجديد بدأ العمل بعدد قليل من الأفراد لم يتجاوز عدد أصابع اليد، وبمساحة لا تتجاوز 3 دكاكين، وزاول في بداياته أعمالا مصرفية بسيطة وبدائية تتلخص في الاعتمادات التجارية، وتبادل العملات، وحوالات مصرفية بسيطة، وإيداعات وسحوبات.

هكذا كانت البداية، ولكن «الوطني» أثبت مع مرور الأيام كفاءته وجدارته مساهما وراعيا لحركة النهضة في الكويت، وليقدم كل أنواع الدعم للأفراد والمؤسسات لتمويل إنشاء مشاريع البنية التحتية في كويت الخمسينيات، حيث كان البنك الكويتي الوحيد آنذاك.

«الوطني» واستبدال العملة المحلية

لعب بنك الكويت الوطني دورا رئيسيا في استبدال العملة المحلية مرتين، أولهما في مايو 1959 عندما استبدلت أوراق النقد من الروبية الهندية بأوراق روبية جديدة سميت بروبيات الخليج.

أما الاستبدال الثاني فقد كان في أبريل ومايو 1961 عندما أصدر مجلس النقد الكويتي دنانير كويتية بدلا من أوراق النقد من روبيات الخليج، وكان هذا الاستبدال ضرورة من ضروريات الاستقلال وإعطاء طابع الشخصية المستقلة لتتمتع الدولة بالسيادة على اقتصادها ونقدها.

تمويل المشروعات الضخمة

في السبعينيات، استمر البنك الوطني في تمويل مشروعات البنية الأساسية والتنمية في الكويت الحديثة.

وتمثلت تلك المشاريع في محطات تحلية المياه ومحطات الكهرباء وشبكات الطرق وبناء وتطوير حقول ومصافي النفط والخدمات المساندة لها وخدمات الاستيراد وبناء المستشفيات والمدارس ودعم حركة التوسع العمراني في البلاد، ففتح بذلك نوافذ المستقبل أمام الكويت.

كما بدأ تكوين الشخصية المؤسسية الحقيقية للبنك، من خلال خطط التطوير وإعادة الهيكلة والتنظيم، وقد كانت هذه الفترة اللبنة الأساسية التي قامت عليها نهضة بنك الكويت الوطني.

الأصالة في الوقت العصيب

خلال الثمانينيات، اجتاز بنك الكويت الوطني اختبارا قاسيا، حين وقعت أزمة انهيار سوق الأسهم والمسماة أزمة «سوق المناخ» عام 1982، وقد كان أسلوب العمل المصرفي المتزن والمتحفظ للبنك الوطني خلال هذه الفترة جعله البنك الوحيد الذي لم يتأثر سلبا.

ونتيجة لذلك أطلق عليه اسم «البنك الفائض الوحيد»، وكان «الوطني» قد حذر مرات عديدة في تقاريره ونشراته الاقتصادية من خطر هذه الأزمة قبل وقوعها وقبل أن يتضرر منها كثيرون.

ثم جاءت أزمة الاحتلال العراقي للكويت في 1990، والتي كانت اختبارا كبيرا لصلابة موقف بنك الكويت الوطني، حيث استمر في أداء أعماله من خارج الكويت والوفاء بجميع التزاماته نحو عملائه وللبنوك في الخارج، كما كان له دور رئيسي في تمويل مشاريع إعادة إعمار الكويت.

وقد أدى ذلك الأداء المميز لبنك الكويت الوطني خلال هاتين الأزمتين إلى دعم واستمرارية الثقة من قبل عملاء البنك وتعزيز ثقة البنوك العالمية به.

خدمة الاقتصاد الكويتي

خلال التسعينيات وبعد تحرير الكويت، لعب البنك الوطني دورا رائدا وأساسيا في خدمة الاقتصاد الكويتي عن طريق إدارة القروض العملاقة من بينها القرض الذي رتبه بعد تحرير الكويت عام 1991 لصالح الحكومة وقدره 5.5 مليارات دولار وهو أكبر قرض عرفته المنطقة العربية.

كما أدار الوطني كذلك قرضا لشركة ايكويت قدره 1.25 مليار دولار.

ويمكن القول إن التسعينيات ونهاية القرن العشرين هي الحقبة الذهبية للبنك والتي ظهرت خلالها ملامح النضج والازدهار المصرفي والانطلاق إقليميا وعالميا، وأصبح لدى البنك اليوم أكثر من 69 فرعا في الكويت وفروع ومكاتب تمثيل وشركات خارجية في كل من نيويورك ولندن وباريس وجنيف وسنغافورة وفيتنام وتركيا والصين إلى جانب لبنان والبحرين والأردن وقطر والإمارات والعراق والسعودية.

ومع بدايات القرن الواحد والعشرين، نجح «الوطني» في أن يكون سوقا ماليا متكاملا للخدمات المصرفية والمالية المتطورة ولجميع شرائح عملائه من الأفراد والشركات والمؤسسات الكبيرة.

كما عزز من مكانته كمصرف تمويلي استثماري شامل من خلال العديد من الصفقات على مستوى منطقة الشرق الأوسط.

وخلال عام 2016 تم تكليف البنك للقيام بقيادة العديد من التحالفات المصرفية لتوفير التمويلات اللازمة لعدد من المشروعات الكبرى، بما في ذلك ترتيب تمويل مشروع الوقود البيئي لشركة البترول الوطنية والذي تبلغ قيمته 1.2 مليار دينار.

ويعد ذلك أكبر تمويل بنكي بالدينار الكويتي في تاريخ الكويت، إضافة إلى توفير قرض ممتاز بقيمة 5 مليارات دولار لشركة إيكويت للبتروكيماويات للاستحواذ على شركة إم أي جلوبل لتصبح من بين الشركات الرائدة المنتجة للبتروكيماويات على مستوى العالم.

إصدار سندات

نجح بنك الكويت الوطني، خلال 2017 في اصدار سندات ممتازة غير مضمونة بقيمة 750 مليون دولار وباستحقاق مدته 5 سنوات وذلك وفقا للقاعدة رقم 144 (أ) من قانون الأوراق المالية الأميركي والتنظيم (س).

ويأتي هذا الإصدار ضمن برنامج السندات العالمية ذات الأجل المتوسط البالغة قيمته 3 مليارات دولار.

ويعتبر هذا الاصدار الأول من نوعه الذي يستهدف الأسواق الأميركية وفقا للقاعدة 144 (أ) على مستوى بنوك منطقة الشرق الأوسط منذ 2009، حيث يسعى البنك للوصول لقاعدة أكبر من المستثمرين المؤسساتيين كجزء من هدفه نحو تنويع مصادر التمويل.

وقد لاقى الإصدار إقبالا كبيرا من قبل المستثمرين الاقليميين والدوليين على حد سواء، حيث تخطى حجم الاكتتاب 2.5 مليار دولار، وقد تم اغلاق الاكتتاب عند مستوى 2.2 مليار دولار بعد أن تجاوز الاكتتاب في السندات 2.9 مرة المبلغ المستهدف.

توسع إقليمي وعالمي

في إطار خططه الاستراتيجية المتكاملة للتوسع الإقليمي والعالمي أعلن «الوطني – السعودية» مؤخرا، عن حصوله على موافقة مؤسسة النقد العربي السعودي ساما (SAMA) على افتتاح فرعين جديدين للبنك في كل من الرياض والدمام إلى جانب فرع البنك الرئيسي العامل حاليا في مدينة جدة، حيث يسعى «الوطني» إلى الاستفادة من نمو الاقتصاد السعودي لاسيما مع الدعم الحكومي القوي للاقتصاد وذلك عبر ضخ استثمارات ضخمة في العديد من القطاعات ذات الأهمية الاستراتيجية، منها قطاعات: النقل، الإسكان، الطاقة والخدمات المالية.

كما افتتح «الوطني» ايضا خلال 2017 فرعه الجديد في الصين «شنغهاي»، ليصبح بذلك أول بنك على مستوى دول مجلس التعاون الخليجي يفتتح فرعا متكاملا هناك، بما يؤهله لاقتناص فرص تعزز العلاقات بين الصين ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

يذكر أن «الوطني» يتمتع بوجوده على أوسع نطاق بشبكة محلية وعالمية تمتد عبر 4 قارات، كما يمتد الوجود العالمي للبنك الوطني في العديد من المراكز المالية العالمية بما في ذلك نيويورك، وأوروبا، ودول مجلس التعاون الخليجي، والشرق الأوسط، وسنغافورة.

500 مليون دولار مساهمات لتنمية المجتمع

يحمل بنك الكويت الوطني على عاتقه التزاما راسخا تجاه مجتمعه الذي ينتمي إليه، والذي جعله من أكبر المساهمين في تنمية المجتمع ا