سفيرة الخير معالي العسعوسي


طريق النجاح...صعب ولكنه طريق مفتوح ليس لكل الأشخاص ولكن للذين يؤمنون بما يفكرون ويتفانون في عملهم وبعدها يصبح الطريق أمامهم سهلاً معبداً.

المتطوعة الكويتية ومدير مكتب جمعية العون المباشر في اليمن معالي العسعوسي نموذج كويتي نادر في قوة الإرادة والعزيمة والتفاني في حب وفعل الخير حيث استطاعت اقتحام مناطق خطرة في اليمن تحت قصف الصواريخ والقذائف لتمد يد العون لمساعدة المحتاجين للتخفيف من آلامهم رافعة شعار ان «المستقبل لاينتظر المترددين» فاستحقت لقب «سفيرة الخير» و«صانعة السعادة».

التقت معالي العسعوسي التي حصدت العديد من الجوائز تقديراً لجهودها الخيرية والتطوعية كما اختيرت ضمن قائمة أقوى 100 امرأة عربية وسفيرة للأعمال الخيرية العالمية بعد ان نجحت في تغيير حياة أكثر من 120 ألف إنسان تغييراً جذرياً ومساعدتهم طبياً وعلمياً ليصبحوا منتجين في مجتمعاتهم. وإلى نص الحوار:

● كيف اقتحمتِ مجال العمل التطوعي والخيري في اليمن؟

-دخولي إلى اليمن كان في البداية عبر مشروع تجاري خاص لأحد التجار لتقييمه ليكون استثماراً نظراً لخبرتي في تنظيم المشاريع وتقييمها، وتم ترشيحي لدورات خدمة المجتمع كما قمت بإعداد فيلم وثائقي عن المحتاجين في كينيا وبعدما اطلع عليه هذا التاجر أعجبته الفكرة فطلب مني تقييم المشروع وبعدما زرت اليمن وجدت الوضع مزرياً للغاية ومأساة بكل الطرق بل بالعكس كينيا أغنى مليون مرة منه وكان تقريري للتاجر بعدم جدوى المشروع هناك.

● وماذا فعلتِ بعد ذلك؟

-بعدما عدت إلى الكويت قررت السفر مرة أخرى إلى اليمن حتى أقدم أي شيء يمكن ان يساعد الفقراء في اليمن برغم عدم خبرتي بالعمل الخيري فجربت استخدام فكرة وضع أموال لعمل فرق بحياة الناس وبدأت بتوزيع الملابس ولحوم لكن وجدت ان ما دفعته ينتهي بعد انتهاء ما فعلته فبدأت أبحث عن المشاريع الخيرية والإنسانية فانتقلت من صنعاء إلى حضرموت وعموماً شمال اليمن وضعه أسوأ من جنوبه وبعد جمع المعلومات قمت بمساعدة البنات في القرى في التأهل حتى تصبح مساعدة طبيب بعدما وجدت موت البنات هناك دون 35 سنة بسبب الزواج المبكر والافتقاد للتعقيم الصحي وبدأت بتنمية 40 أسرة ليكون هناك 40 منتجاً بالمجتمع بمبلغ أقل من 400 دينار كمجمل كفالاتهم في ذاك الوقت.

وعندما ذهبت الى الجمعيات الخيرية الكويتية وجدت انها مختلفة تماما عن منهجيتي وتخصصي بالسياحة واعداد الدراسات وكان الوضع متناقضا مع ما درسته، وعندما عايشت مأساة الغزو العراقي للكويت تمنيت الا تكون أي دولة في نفس وضعنا وقتها وعلمنا حتى الناس اللي ما يحبون ان الكويت قائمة على الحب ومد يد العون دوماً.

● كيف دخلتِ اليمن خلال أول زيارة لكِ بعد معركة عاصفة الصحراء؟

-ليست المرة الأولى التي أدخل فيها إلى اليمن عندما قررت الهجرة إليها منذ 9 سنوات وحضرت الحرب الأهلية ورأيت القتل والقنص عن قرب ونجاح مشاريعي هناك جعلني قادرة على المكوث فترات طويلة هناك رغم ان ذلك تسبب في مشكلات بعملي السابق في وزارة الإعلام ولم أجد أحد هاجر إلى هناك الا الدكتور عبدالرحمن السميط ورغم ذلك صممت على الهجرة إلى هناك.

● وكيف تم ترخيص مؤسستك الخيرية؟

-أسست مؤسسة تمكين التنموية الخيرية داخل اليمن وتعاونت مع منظمات دولية وتم ترخيصها وكان لسفير الكويت في اليمن وقتها سالم الزمانان فضل كبير في هذا الأمر وتمت تزكية الأمر من قبل وزارة الشؤون الاجتماعية هناك ومولتها بتبرعات من الأقارب والأهل والاصدقاء ثم حصلنا على تدريب وتأهيل من المنظمات الدولية وتعاوننا مع الهيئات الخيرية الكويتية واستمررنا في ذلك منذ العام 2007 حتى 2010 وبعد ما كبر المشروع اتخذت قراراً بالاستقرار في اليمن وشعر الدكتور عبدالرحمن السميط رحمه الله بصدمة من خياري لهذا البلد لكن بآ

خر لقاء قال لي «يا بنتي.. الله خلقني لأفريقيا وخلقك لليمن»، فخرجت من عنده وأنا مقتنعة بالهجرة وبمجرد ان هاجرت حدثت الحرب الأهلية قبل تدخل علي عبدالله صالح في الأزمة الأخرى.

وأود ان أؤكد ان عملنا لا ينظر إلى مكون ديني أو عرقي بل إنقاذ البشر لأن هذه الفروقات لا تهم العمل الانساني وان دخلت فيه لم يستحق كلمة عمل انساني ورغم إنني رأيت ويلات كثيرة الا إنني صممت على الاستمرار.

●كيف تنظرين إلى فترة الحرب اليمنية؟

-عندما وقعت الحرب كنت أتألم يومياً في الكويت لأنني لم أستطع دخول اليمن لأنهم «سكروا» المطار والمنافذ البحرية وحاولت بشتى الطرق الدخول عن طريق جيبوتي والسعودية ولم تفلح لكن بفضل معارفي بعد فتح المطار سافرت مجدداً الى هناك والرحلة تستغرق 24 ساعة من الكويت إلى الأردن ثم الى مطار بيشة الحربي بالسعودية ثم إلى مطار صنعاء ومنها إلى بقية المناطق.

● هل حملت مساعدات معك في هذه الرحلة؟

-لا بل أحضرت معي ممثلي جمعية العون المباشر وهو أجمل وأكبر ما أحضرت فتمكين الماضي وعون الحاضر أي ان تمكين انتهت وأصبح الدور للعون المباشر التي كان لها فرع هناك منذ العام 2013 وكان تعاوني معهم بالاستشارات لكن بعد الحرب أصبحت كل الجمعيات الخيرية تجتمع في وزارة الخارجية واللجنة الكويتية للاغاثة وكنت كشخص لاعلاقة لي بأي جمعية لكن يتم استدعائي لخبرتي الميدانية ووفقت في اقناع جمعية العون المباشر بقبولي وكنت المرأة الوحيدة التي دخلت في منظومة الجمعية التي يصل عمرها إلى 33 سنة وأتولى إدارة أحد مكاتبها الخارجية.

● هل العمل الخيري الكويتي محتكر من قبل الرجال؟

-ليس محتكراً من الرجال لكن ادارة مكتب خارجي برئاسة امرأة سابقة لم تحدث من قبل في اي جمعية خيرية كويتية لارسال امرأة للخارج في بلد به حرب وقبلت الاستراتيجية التي وضعتها لأن العمل كان في مربع الحرب لخبرتي الكبيرة في هذه المنطقة التي تضم عمران والمحويت وتعز والحديدة والحجة وأيضاً لحاجة هذه المناطق للمساعدة أكثر من غيرها من المناطق الأخرى.

● هل هناك قصف من قوات التحالف لهذه المنطقة؟

-بالطبع فهذه المنطقة تسمى«المربع الساخن» وعلى مدى 4 أشهر لم يتوقف القصف والوضع كان أشبه بالحرب في ظل استمرار المناوشات والقتال وكان دورنا توزيع الاغاثات في المناطق التي لا تصلها وأغلبها مناطق محاصرة أو ذات كثافة سكانية كبيرة والعون المباشر الوحيدة التي تعمل بأريحية بشكل كبير هناك لأنها تعمل مع كافة مكونات المجتمع.

●هل تم توفير حماية لكم؟

-بالطبع فالحماية لابد منها والمناطق التي نعمل بها من الصعب التحرك بها وسط إدارة اليمن من حكومتين منفصلتين وهذا يعني الحصول على تصريح من قبل الحكومة التي تسيطر على كل مربع على حدة نعمل فيه.

وبرغم استمرار القصف كان هناك موظفون يعملون في أعمالهم بالوزارات، وعندما ذهبت في شهر سبتمبر الماضي وجدت صنعاء مدينة أشباح وللمرة الأولى أخاف منها فلا يوجد كهرباء أو ماء ولا مشتقات نفطية وقيمة «تفويل تنك»السيارة الجيب بلغ 100 دينار بسبب الوضع السياسي المتردي آنذاك وكان القليلون يمتلكون هذا المبلغ في ظل الوضع السيئ.

● ما أصعب المواقف التي تعرضتِ لها ؟

-نحن نأخذ احتياطاتنا ولا نبرح مكاننا الا بعد الحصول على التصاريح اللازمة من الجهات الدولية المعنية مثل منظمة الأمم المتحدة ونعطي احداثيات بأماكن تواجدنا وهذه التصاريح من وزارة التخطيط، هناك حرب وقصف دائر واخر مرة عمارة من جنبي اختفت في لحظات وكأنني أعيش أحداث فيلم.

● متى كانت آخر مرة زرت اليمن؟

-منذ 15 يوماً تقريباً.

● كمواطنة كويتية، هل أثرت عليكِ هذه الظروف ؟

-بالتأكيد أثرت في شخصيتي ولكن كان تأثيرها ايجابياً فالكويت منذ أكثر من 40 سنة نفذت مشاريع انسانية تعليمية وصحية ضخمة في اليمن جعلت الشعب اليمني يحب الكويت بطريقة خاصة لا يتصورها أحد.

وعندما كنت أتحرك في اليمن أو المطار لم أجد أي صعوبات أو مقاومة لعملي بسبب كوني كويتية بل بالعكس، لأنني سأعود إلى اليمن بعد 5 أيام ولا أريد التحدث في مسألة مشاركة الكويت ضمن قوات التحالف لأنه قد يضرني ويعرضني للقتل كما يمكن ان يضر بلدي.

● هل تأخذين مساعدات معك خلال سفرك لليمن؟

-لا... فمنظمة العون المباشر لها مكتب هناك وتقدم هذه المساعدات.

● هل حصلتم على أي مساعدات من الحكومة الكويتية؟

-في الوقت الحالي لم نستلم شيئاً ولا وعود بذلك من الحكومة الكويتية لكن اللجنة الكويتية العليا للاغاثة خصصت مبلغاً ضخماً جداً لدعم الملف الإنساني في اليمن، ونتمنى طرح هذا الموضوع للقارئ بأن الشعب اليمني يحب شعب الكويت بطريقة لا يمكن تخيلها.

● تعرض عدد من الصحافيين الأجانب في اليمن قبل أيام لعملية اختطاف هناك، ألا تشعرين بتخوفات من هذا، وهل تستعينين بوسائل حماية؟

-اليمن في حالة حرب وحتى في أيام السلم لابد من تخزين كميات كبيرة من الغذاء والأجهزة وفي أيام السلم نطلب أفراد أمن «سكيورتي» وقد يتضاعف العدد في ظل الظروف الراهنة لحماية الفرق والأجهزة والأغذية وانتقالنا يكون بالتلازم مع هذا الأمن، لكن ليس المقصود بالحماية انها جيش جرار.

● هل تذهبين إلى اليمن بواسطة الطريقة القديمة عبر الأردن أم الأمر أصبح سهلاً الآن؟

- الوصول إلى اليمن يستغرق نحو 24 ساعة بالذهاب و26 ساعة بالعودة وأحيانا في المطار نرى القصف من داخل الطائرة وهي على المدرج.

وانتقلت إلى صنعاء ضمن حملة «العيون التاسعة» وقمنا بتنفيذ أكثر من 400 عملية للعيون ثم انتقلنا لمنطقة حويت والتي تبعد نحو 4 ساعات ثم عمران التي تعد من أخطر المناطق وتبعد مدينة الحديدة نحو 6 ساعات وأنا أذهب إلى هذه المدن مع الفريق المدرب للتعامل مع الاصابات والتعامل مع المكونات الاجتماعية.

وهناك نقاط تفتيش موجودة من البداية لكنها زادت في الوقت الحالي وهناك جنود ومليشيات وحتى قطاع طرق لكن المهم «الشطارة» في التعامل مع الجميع وقد سهل عملي أكثر باليمن كوني امرأة فاليمن تحترم المرأة بشكل كبير اجتماعيا فلا يمكن ان يقوم رجل بضرب امرأة مهما كانت الظروف وحتى في التفتيش تمر المرأة دون تفتيش.

● ما أصعب المواقف التي تعرضتِ لها هناك؟

-أغلب اليمنيين كانوا قبل الحرب يعيشون تحت خط الفقر فما بالنا بعد هذه الأزمة وللآسف هناك من لا يعلم بأوضاع الشعب اليمني وتفاجأوا بأن الموضوع وليد اللحظة وإذا لم تتحرك الجهود الحكومية والخيرية فسنرى وضع أسوأ من مضايا السورية.

والشعب اليمني يفتقد حالياً الأمن والأمان وقد يتعرض للقتل ما أجبر نحو 80 في المئة من منظمات العمل الإنساني هناك على غلق مكاتبها فأصبحت الناس «مو قادرة تأكل أو تلبس».

● هل هناك وسائل إعلام زارت المكان؟

-هناك مراسلون صحافيون يعملون على تغطية الحرب علماً بأن الاعلاميين والاطباء ومن يعمل بالعمل الانساني والإغاثي